هل العلمانية هي البديل القادم لنظام
صدام ؟
بعد ان سقط النظام وسُلِم العراق مجانا لقوات
التحالف و التي استلمته تحت شعار تحريره من النظام الديكتاتوري الجائر وتمكين شعبه
من ادارة نفسه بنفسه ، يعيش العراق فترة مخاض حرجة يفترض ان تنكشف عن نظام جديد
يحفظ للعراق وحدته وعزته واستقلاله وينسجم مع عقيدة شعبه وهويته الحضارية العريقة
ويستوعب التعدد الديني والمذهبي والقومي والسياسي .
يحاول البعض وفق منهج
يبدو للدارس انه مدروس ان يدفع الاوضاع في العراق باتجاه نظام علماني لا علاقة له
بدين الشعب وهويته وانتمائه التاريخي وتتبارى وسائل الاعلام وفي مقدمتها الفضائيات
المعروفة في ايجاد الاجواء المناسبة لذلك متناسية العراق وشعب العراق والامة التي
ينتمي اليها العراق والثمن الباهظ الذي دفعه شعب العراق للتخلص من نظام الجريمة
والديكتاتورية في بغداد .
وجميل ان نسلط بعض
الاضواء على العلمانية التي يروجون لها ويسعون الى تحكيمها في العراق :
العلمانية هي ترجمة
للكلمة الانكليزية Secularism والتي تعني لغويا "الدنيوية " ، وقد يكون من الانصاف اللغوي ان تترجم
" باللادينية " وهي تلك الافكار التي ظهرت كنتيجة لأعمال الكنيسة التي
بلغت حدا جعل الناس يمقتون القساوسة لتحالفهم مع الحكام الظالمين ومحاولة جعل
اعمال الحكام شرعية ، الامر الذي جعل ظهور العلمانية كمهرب للكنيسة وبداية ابعاد
الكنيسة والدين عن الدنيا ، اي السياسة والاقتصاد والعلوم والاجتماع وكل شيء .
ونحن لسنا بحاجة الى السرد التاريخي لتطور العلمانية في اوروبا
، ولكننا بحاجة الى سرد تاريخي لمنشأ العلمانية في الوطن العربي ، فقد بدأت بوادر
التبشير بها على ايدي مفكرين من المسلمين والمسيحيين ممن هاجروا الى اوروبا لطلب العلم في القرن
التاسع عشر وعادوا الى بلدانهم مقلدين للغرب ذائبين في حضارته داعين الى قيمه ،
وقد ساعدهم على ذلك ان العالم العربي كان يعج بالتخلف والابتعاد عن الدين الاسلامي العظيم ، حيث ان كثيرا من
العادات القبلية والقيم الجاهلية أُلبِست لباس الاسلام وجُعِلت جزءا من الاسلام
وصارت تعكس وجها مشوها لهذا الدين الذي من جملة اهدافه اقتلاعها وتبديلها بقيم
وعادات اخرى ، ولا يخفى ان هؤلاء قد تم احتضانهم من قبل الدوائر الاستكبارية
وامتداداتها في بلدان العالم العربي والاسلامي حيث تطوعت لخدمتهم مؤسسات الطباعة
ووسائل الاعلام المقروء والمسموع ، ووُفِّرت لهم كل مقدمات ريادتهم لتيار تغريبي
جديد للعالم العربي والاسلامي كانت من ثماره صحف ومجلات واحزاب وجمعيات علنية
وسرية ، والخطير في هذا الامر ان هذا التيار التغريبي واتباعا لتخطيط مدروس وتوجيه
ذكي قد تصدى لطرح قضايا الامة المشروعة وحمل شعارات براقة اوهمت الكثير من البسطاء
وجعلتهم جنودا مجندة لهذا التيار ، وافرزت شخصيات مرموقة كان لها دور كبير في
حياتنا حيث اصبحت الرمز والقدوة .
لقد مارست هذه
الشخصيات وباساليب ذكية الدعوة الى الابتعاد عن الاسلام وقيمه واحكامه واخلاقه
وكثيرا ما كان ذلك بأسم الاسلام . ان ابرز ما طرحوه في اوساط المسلمين فكرة فصل
الدين عن السياسة اتباعا للغرب الذي مارس ذلك تخلصا من سلطة الكنيسة التي لا يمكن ان
تقارن بينها كمؤسسة دينية وبين الحوزة العلمية ورجال الدين الاسلامي ، بل ولا يمكن
ان نقارن بين هرطقات الكنيسة واختلاقاتها الفاضحة والدين الاسلامي الذي تكفَّل
الله بحفظ كتابه من التحريف وتكفل ائمة المسلمين بحفظ سنَّةَ نبيه (ص) من التزوير
وان التحريف والتزوير قد حصل في غير دين الاسلام محالا يناقش فيه مطلع . ولكي نضع
فكرة فصل الدين عن السياسة التي اشرنا اليها في موضعها المناسب الى العمل على
تمكين الدين من الدنيا واخضاع الدنيا الى الدين .
جاء في سورة المائدة " أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ "، وفي آل عمران " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
أُوْتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ
بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ "
، وفي سورة النساء " فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ
يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ
حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا "
، فهناك وضوح في ان من يحكم بغير ما يحكم به الله فهو ليس من المؤمنين ،
والعلمانية لمن يتشدق بها ليست اللجوء للعلم بديلا عن الدين بل هي ابعاد الدين عن
الحياة مع الموافقة على جعله مجرد صورة لا تزيد عن أداء الفرائض و ياحبذا لو اكتفى
باداءها في البيت فقط . ولابأس بمجاراة العالم بكل اشكال التطور ، غناء ورقص
وملاهي وعلاقات عامة لا استثناء بين رجال ورجال أو رجال ونساء أو حتى نساء ونساء .
والسؤال الذي يطرح نفسه بل ويحق لكل قارئ ان
يطرحه على كاتب هذه السطور اي دين تقصد ، وها هو الاسلام له صور متعددة تطل على
الناس من خلال المذاهب الاسلامية التي يتسم كثير من اتباعها بالتعصب وضيق الافق
الامر الذي يعزلهم ويعزل دينهم عن العالم ، وجواب ذلك ان ما ندعو اليه هو الاسلام
السالم من التحريف ، الخالي من البدع ، الذي نستمده من كتاب الله الخالد ( القران
الكريم ) ومن سنَّةِ رسول الله محمد (ص) ، وآل بيته الذين ورثوا عنه فهم الاسلام
وحملوا لنا صورته النقية التي نفتخر بطرحها على العالم وندعوا كل الناس الى التخلص
من المواقف المسبقة والمعلومات الخاطئة التي استقوها منه مصادر معادية للاسلام او
جاهلة به ، الاسلام الذي يحترم كل الناس على اختلاف اديانهم وقومياتهم والذي يساوي
بين المرأة والرجل في الشخصية القانونية التي تؤهلهما لتحمل المسؤولية الفردية
والاجتماعية ، الاسلام الذي يدعو اهل الكتاب الى كلمة سواء ان لا يعبدوا الا الله
، الاسلام الذي يفتح افاق العلم وابواب المعرفة ويطلق عنان العقل في مجال الابداع
والتطور .
ان معظم
الفضائيات تنحوا منحى ( مدروس ) نحو العلمانية وكاضعف الايمان بأجراء اللقاءات مع
من يتبجح بكونه ( أو بكونها ) علمانيا او علمانية . بل وصل الامر الى من يحاول ان
يصوغ الدستور العراقي الجديد بطريقة علمانية بعيدة عن الدين ، والقوى الكبرى
تستخدم عبارات تحاول فيها ان تشوه التيار الديني وتعتبر الموضوع سياسيا بحتا كمطالبتها
ايران بعدم التدخل بالشؤون الداخلية للعراق وكانهم يصورون العراقيين ( والشيعة
منهم بالاخص ) تبعا لايران ، مع انهم يعلمون بان منبع العلم هو النجف الاشرف ولسنا
هنا للهجوم على ايران ولكننا نسرد حقائق نسيها او تناساها البعض بان النجف الاشرف
قد افرزت من العلماء ممن سيبقون ألَقاً في التاريخ المعاصر كالشهيد الصدر والسيد
الخوئي ( قدس الله سرهما ) ولا نزال نملك من العلماء ما يغنينا عن الاخرين . ونقول
لاولئك الذين يطبلون للعلمانية اليوم و للماسونية غدا بان المصطلحات لم ولن تنطلي
على أحد وان الشعب العراقي المسلم سوف لن ينخدع بكم ولن نقبل في يوم من الايام ان
يغزونا الفكر الصهيوني مهما تعددت اساليبه وعملائه " وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ
وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ "
محمد
التميمي
www.altahaddi.net